الأمير الحسين بن بدر الدين

37

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

غير أنّ بعض العدلية قد ذهب إلى أن ذلك مخصوص بدليل العقل « 1 » ، قال : لأنّ دليل العقل قد دلّ على أنّ أفعال العباد منهم لا منه عز وجل ؛ لأن ذلك يؤدي إلى مقدور بين قادرين . وسيأتي بيانه مفصلا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . فكان دليل العقل في ذلك مخصّصا للآية ، إلى غير ذلك من الآيات « 2 » .

--> ( 1 ) وهو النّظّام فقد قال : إن اللّه لا يستطيع ولا يقدر على فعل القبيح ؛ لأنه لو كان قادرا عليه لصدر عنه . وأقول : والأولى أن يقال : إنّ اللّه من ناحية القدرة لا يعجزه شيء ، ومن ناحية الحكمة والعدل لا يفعل القبيح كالوالد الشفيق يقدر على ذبح ولده الصغير لكنه لا يفعل ذلك ، واللّه أعلم . وقال عبّاد بن سليمان الصّيمري والأشعري من الجبرية : لا يقدر على خلاف معلومه . وأقول : هو يقدر على خلاف معلومه لكن الحكمة تمنع ذلك . وقال البلخي : لا يقدر على مثل مقدور عبده ، وأقول : الأولى أنه يقدر على مقدور عبده ؛ إلّا أنّ الفعل لا يصدر عن فاعلين ؛ لأن الفعل إذا صدر عن العبد فهو مخصوص به ؛ لأنهم قرروا بعدم إمكان فعل بين فاعلين ، وحمل الخشبة من مجموعة من الناس ليس فعلا بين فاعلين ؛ لأن كل واحد يحمل حصته . والمستحيلات هي التي ركبها اللّه في العقول أنها مستحيلة كخلق جسم لا متحرك ولا ساكن أو لا مجتمع ولا مفترق . وقال أبو هاشم ووالده أبو علي : لا يقدر على عين مقدور العبد . ينظر شرح الأصول الخمسة 312 ، والمعالم الدينية في العقائد الإلهية 61 ، والمغني 6 / 127 ، وشرح المواقف للجرجاني 2 / 92 ، والإلهيات 1 / 146 ( 2 ) وكون أفعال العباد منهم لا يعني أنه سبحانه غير قادر عليها ؛ لأن قدرتهم على أفعالهم إنما هي بالقدرة التي خلقها اللّه فيهم ، وتركهم أحرارا في فعلهم ليترتب على ذلك الثواب والعقاب ، وهو قادر على خلق الأفعال فيهم إلا أنه متنزه عن ذلك ، إذ لو فعل لكان أولى باللوم على المعاصي من العباد ، فافهم ولا تنخدع بوسوسة المبطلين الذين يهولون بأن لا خالق إلا اللّه لأنا نقول : هذا صحيح فيما فيه تمجيد وتبجيل لله ، لكن الزنى والكفر خارج عن هذا ، وقوله سبحانه : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إنما أتى بعد تعداد الآيات الكونية ، فانظر أول سورة الرعد ، والأنعام 94 .